من «أبو عمّار» إلى «أبو عمر»… وما بينهما
القوى السياسية ارتمت في أحضان الخارج واستدعت نفوذه عند كل استحقاق داخلي
بقلم: دافيد عيسى، سياسي لبناني.
منذ عام ١٩٧٥، ولبنان يدور في الحلقة نفسها.
تتبدّل الوجوه والأسماء والرايات، وتتغيّر الوصايات والكراسي ومَن يجلس عليها، لكنّ المستفيدين يبقون أنفسهم… وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
فجزء من الطبقة السياسية اللبنانية لم يعتد يومًا فكرة الدولة، بقدر ما اعتاد وجود “شي أبو” يدير المشهد، ويوزّع التعليمات والمكاسب والحصص على أهل الولاء والطاعة.
تنقّلوا في ولاءاتهم من “أبو عمّار” الفلسطيني، إلى “أبو يعرب” و”أبو عبدو” السوريَّين، وصولًا إلى “أبو عمر” السعودي، وأخيرًا ونأمل فعلًا أن تكون الأخيرة إلى ذلك الضابط العراقي المزعوم الذي تحوّل فجأة إلى نجمٍ على الشاشات ومواقع التواصل.
قد قيل قديمًا: «مَن خلّى عادتَه، قلّت سعادتُه». لذلك، لم تتردّد بعض القوى السياسية في الارتماء عند كل منعطف في أحضان الخارج، واستدعاء نفوذه عند كل استحقاق داخلي، بدل الاحتكام إلى الدولة ومؤسساتها.
أما تبديل المواقع والاصطفافات، فصار عند كثيرين مجرد تفصيلٍ تفرضه موازين القوى وتقلبات المصالح؛ إذ لا ثوابت حقيقية إلا البقاء في السلطة.
المشكلة لم تكن يومًا في تعدّد اللاعبين الخارجيين فحسب، بل في ذهنية سياسية أدمنت العيش داخل المحاور، وعجزت عن تخيّل وطن يُدار بإرادة وطنية مستقلة.
وكأنّ قدر لبنان أن يبقى معلّقًا بين العواصم، فيما ينتظر بعض السياسيين دائمًا “شي أبو” جديدًا يرسم الاتجاه، ويحدّد سقوف المرحلة وأحجام الأدوار.
والمؤلم ليس تعاقب هؤلاء على التأثير في الحياة السياسية اللبنانية، بل تحوّل هذا الواقع إلى ثقافة سياسية شبه دائمة، حتى بات بعضهم يرى في الخارج مصدر شرعية وقوة، لا مجرد داعم أو حليف.
أما السيادة، فكثيرًا ما تحوّلت إلى شعار موسمي يُرفع عند الحاجة، ثم يُطوى سريعًا عند أول تسوية أو تبدّل في موازين القوى.
لذلك، لا يكون الخلاص بتبديل الوصايات أو تغيّر أسماء اللاعبين، بل بإعادة بناء فكرة الدولة نفسها دولة المؤسسات والقانون، والقضاء المستقل، والقرار الوطني الحر؛ حيث لا يكون الولاء للخارج طريقًا إلى النفوذ، ولا الارتهان وسيلة لحماية المصالح.
ولأنّ اللبناني اعتاد العيش وسط الأزمات، بات من السهل إغراقه بكل ما هو جانبي وثانوي.
فعند كل تسوية تُحضَّر على حساب البلد، تبدأ حفلات الإلهاء الجماعي قصص مفتعلة، وتسريبات مدروسة، ومعارك إعلامية وهمية، وضجيج سياسي يستهلك الرأي العام ويُبعده عن جوهر ما يجري.
تمامًا كالساحر الذي يُلهي الجمهور بحركة يده، فيما تكون الخدعة الحقيقية قد مرّت من مكان آخر.
وفي كل مرة، ينشغل الناس بالتفاصيل والسجالات والتحليلات، بينما تكون القرارات الفعلية تُطبخ بهدوء، على حساب شعب يتآكل يومًا بعد يوم.
وكثيرًا ما تتحوّل الحملات الإعلامية إلى أدوات تصفية حسابات أو رسائل ضغط سياسية، فيما ينجذب قسم من اللبنانيين إلى هذا الضجيج، ويلاحقونه “بالسراج والفتيلة”، كأنّه بات جزءًا من يومياتهم.
لقد تعب اللبنانيون من العيش في جمهورية الموز، ومن الانتقال الدائم من وصاية إلى أخرى، ومن وطن يُدار مرة عبر الهاتف الخارجي، ومرة عبر الرسائل الإقليمية والدولية.
وفي الخلاصة، يبدو أنّنا أصبحنا شعبًا يغرق في شبر ماء، فيما الوطن كلّه يغرق أمام أعيننا.
فهل يأتي يوم يصبح فيه لبنان دولة تُحكم بالدستور والمؤسسات، لا بالأسماء المستعارة؟
أم أنّه كُتب عليه أن يبقى، إلى أجل غير معلوم، رهينة انتظار «شي أبو» جديد؟