حين تتحوّل الكلمة إلى فتنة...
لبنان لا يُحمى إلا بالعقل والحوار والاحترام المتبادل
بقلم: دافيد عيسى، سياسي لبناني.
في وطنٍ يقف باستمرار على حافة الأزمات والانقسامات، لم تعد الكلمة مجرّد رأي عابر، بل باتت أحيانًا شرارةً تهدّد السلم الداخلي، خصوصًا عندما تتحوّل بعض المواقع الإلكترونية الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للتحريض وإثارة العصبيات الطائفية والمذهبية.
فبدل أن تؤدّي هذه المنصّات دورها الطبيعي كمساحات للحوار وتبادل الآراء، لجأت بعض هذه المواقع إلى اعتماد الخطاب التحريضي وسيلةً لاستقطاب الانتباه ورفع نسب المشاهدة، عبر استضافة أشخاص مغمورين لا يملكون سوى لغة الشتائم والإساءة والتأجيج الطائفي، ثم تقديمهم للرأي العام تحت عناوين برّاقة من قبيل “محلّل سياسي” أو “خبير استراتيجي”، وهي صفات لا تعبّر عن حقيقتهم ولا تنسجم مع مستوى خطابهم.
وتزداد خطورة هذا الواقع حين تتحوّل بعض المنابر الإعلامية من مساحة للنقاش السياسي إلى أدوات لتأجيج الانفعالات وتعميق الانقسام بين اللبنانيين، بما يهدّد ثقافة الحوار وقيم العيش المشترك.
فالمشكلة لا تكمن في الاختلاف السياسي، فهو حقّ مشروع في أي نظام ديمقراطي، بل في تحويل النقاش العام إلى مساحة للشتائم والتجريح الشخصي والتحريض الطائفي وإثارة الأحقاد، فضلًا عن التعرّض للرموز الوطنية والمرجعيات الروحية بأساليب تفتقر إلى الحدّ الأدنى من المسؤولية.
إنّ حرية التعبير لا يمكن أن تكون غطاءً للإهانة أو التحريض أو المسّ بكرامات الناس ومعتقداتهم، لأنّ الحرية الحقيقية ترتبط دائمًا بالمسؤولية واحترام الآخر.
ومن المؤسف أنّ بعض الأصوات باتت تعيش على شدّ العصب الطائفي واستفزاز الناس، من دون أي اعتبار لما قد يخلّفه هذا الخطاب من أضرار على المجتمع والاستقرار الداخلي، خصوصًا في بلد متنوّع وحسّاس كلبنان، حيث قد تتحوّل الكلمة المنفلتة إلى فتنة يصعب احتواؤها.
فالكلمة، في زمن الأزمات، قد تكون أخطر من الرصاص، لأنّها قادرة على زرع الشكوك والكراهية وتفكيك ما تبقّى من الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
ومن هنا، تبرز مسؤولية القضاء اللبناني والأجهزة المختصّة في وضع حدّ لهذا الانفلات الإعلامي، عبر تطبيق القوانين على الجميع من دون استثناء، ومحاسبة كل من يستخدم المنابر الإعلامية لنشر الكراهية أو التحريض الطائفي أو تهديد السلم الأهلي.
إنّ حماية حرية التعبير لا تعني السماح بتحويلها إلى أداة للفتنة والانقسام، بل تقتضي الالتزام بأصول الحوار المسؤول واحترام الرأي الآخر، لأنّ الأوطان لا تُبنى بخطابات الكراهية، بل بالكلمة الواعية التي تجمع ولا تفرّق.
ولبنان اليوم، وسط أزماته الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، لم يعد يحتمل مزيدًا من الاحتقان الداخلي أو المغامرات الإعلامية غير المسؤولة، لأنّ ثمن أي انفجار جديد سيدفعه الجميع بلا استثناء.
لذلك، فإنّ مواجهة خطاب الكراهية والتجييش لم تعد مجرّد مطلب أخلاقي أو سياسي، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقّى من الدولة ومنع الانزلاق نحو مزيد من التفكك والانقسام.
ويبقى الأمل بأن ينتصر صوت الحكمة والحوار على لغة الشتائم والتصعيد، لأنّ الحقيقة لا تُفرض بالصراخ، والكلمة المسؤولة وحدها القادرة على حماية الوطن من السقوط في الفتنة.
أما في الختام، فأقول:
“حين تتحوّل الكلمة إلى فتنة، يصبح الصمت عن التحريض شراكةً في الخراب، وتغدو المسؤولية الوطنية واجبًا على كل من يؤمن بأنّ لبنان لا يُحمى إلا بالعقل والحوار والاحترام المتبادل.”
أخبار اليوم